الجمعة، 21 أكتوبر، 2016

اليسوع قلب البلديات ومخاطر العلمانية ذات الملامح المتقلّبة

العلمانية ذات الملامح المتقلبة تحمل دائما في طيّها إشارات سيئة. كيف يمكننا الاقناع بضرورة ازالت الحجاب داخل الأقسام إذا قبلنا بتواجد تماثيل اليسوع داخل قاعة البلديات؟




في بادئ الامر هناك لُبس علينا رفعه فورا. قد نكونوا علمانيين ونستمتع في نفس الوقت برؤية حضانات عيد ميلاد اليسوع. خصوصا عندما نكون قد ترعرعنا في البروفانس (مدن أخرى غير باريس)، وهذا هو حالي. لدي ذكريات جميلة جدا عن هذه الأوقات التي كنا نقوم فيها بنزهات في الغابة لالتقاط رغوة الربيع، وشراء التماثيل في السوق (حيث كان الملوك الثلاث هم المفضلين لدي)، ثم نقوم بتنضيد قرية صغيرة، مثل المسرح على رف الموقد. لقد كانت لحظات سحرية.
كما لا تحظُرمقتضيات قانون 1905 أيّ عائلة من الاستمتاع بسحر عيد ميلاد اليسوع، أكان ذلك في منزلها أو في السوق. غير ان السؤال المطروح هو ما إذا كان على الأموال العامة تمويل حفل تقليد ولادة اليسوع، في بيوتنا المشتركة المتمثلة في البلديات أو مجالس المقاطعات؟ الجواب بالطبع هو لا.

مقتضيات قانون 1905
حتى في الولايات المتحدة، تعتبر هذه الممارسة في تنافا مع "الجدار الفاصل". أمّا في فرنسا، فمقتضيات قانون 1905 وخاصة مادته 28 واضحة جدا: "لا يجوز لأي شخص، في المستقبل، رفع أو وضع أي علامة دينية أو شعار ديني على المعالم العمومية".

فمن اجل الدفاع عن هذا الفصل وعن العلمانية المشتركة، قام صاحب "الفكر الحر" بتقديم دعوى ضد عدد من رؤساء البلديات والمجالس لانتهاكهم مضامين هذا القانون. لقد حكمت المحكمة الإدارية لصالحه ضد مجلس فاندي. هذا المجلس الذي اختار لسنوات عرض داخل بهوه اثنين من التماثيل العملاقة للمسيح ولمريم ...على حساب المال العام.

صفعة أهدانا إيّاها فيليب دو فيلييه ضربا في مبدئ الفصل بين الدين والسلطة، انه السفير المثالي لهذا العمل الكهنوتي والمعادي للعلمانية، غير انه كان الهدف منه بالطبع شن حرب ضد الإسلام. ما زال متعنِّتا في عدم قبول قانون البشر، فقد كيّف الفيكونت عمل التذكير بقانون الجمهورية ب"الشمولية".

اما رئيس بلدية بيزييه، روبير مينار، فقد دعا صراحة ب"العصيان المدني" وانشأ حضانة للمسيح في بلديته.

تبدوا الامور في كلتا الحالتين واضحة على الأقل. فعن طريق خرق مقتضيات قانون 1905 ينكشف اليمين المتطرف واليمين الكهنوتي باتهام الجمهورية بديكتاتورية معادية للمسيحية بينما هي (الجمهورية) تبادر الى فرض مبدأ فصل الدين عن السلطة. انّ الاعتناق المتأخر من قبل اليمين المتطرف واليمين الكهنوتي للعلمانية ليس سوى حيلة وقناعة تستهدف الإسلام دون غيره من الديانات. وهذا الامر خدعة مُتقنة.

غير ان مواطنين آخرين وعن حسن قصد، لا يرون أين تكمن المشكلة. هؤلاء عليهم رفع أعينهم عن التماثيل حتى يروا أبعد من ذلك. فما يهدد توازن فصل الدين عن السلطة هو فسح المجال لرقصة التوافقات. إذا أقدمنا على قبول استثناءات تواجد تماثيل الصغيرة لليسوع داخل البلديات، فما الذي يمنع من القيام بالمثل مع الآخرين؟

دوامة التوافقات
ان تقديم تنازلات للعادة اللطيفة لتمثيل حضانات ميلاد المسيح قد يضع فرنسا في مأزق دوامة المطالبات والخصومات المجتمعية التي لا نهاية لها. فالملامح المتقلبة (او الهندسة المتغيرة) للعلمانية تحمل دائما في طيها اشارات سيئة. كيف يمكننا اقناع ازالت الحجاب داخل الاقسام إذا قبلنا بتواجد تمثال اليسوع داخل قاعات البلديات؟

ليست الطرق متعددة في مجال المساواة بين الأديان. فإمّا أن نتأكد من عدم تفضيل دين على آخر عن طريق فصل الدين عن السلطة واما الاعتراف بجميع الديانات، وبالتالي الخوض في سباق الاستثناءات. فما نحتاج إليه هو قاعدة واضحة ومناسبة للجميع.

المطلوب هو رؤية واضحة لمجلس الدولة
في فاندي، فاز الفكر الحر. ولكن في ميلون، انهزم ضد حضانة أخرى داخل بلدية. ان قرارات المحاكم تختلف من مدينة ومن محكمة إلى أخرى، لذلك وجب علينا اللجوء إلى مجلس الدولة لتوضيح الرؤية.

واعتبرت المقررة العامة، أوريلي برتونو، أن المادة 28 من القانون 1905 "لا تمنع من تثبيت حضانات اليسوع داخل الملك العمومي" ما لم تثبت "نية دينية" وراء هذا الفعل. فهو بالتالي قرار "مشروطة" غير انه يفتقر إلى الدقة. إذا كان الهدف منه يقتصر فقط على منع "التبشير"، كما اوضحت المقررة، فسوف يعتبر بعض رؤساء البلديات ضمنيا أن تمثيل رضيع في حضانة هو امر لا يمت "التبشير" بصلة.

في الواقع، فإن مجرد وجود علامات أو أحرف مرتبطة بالدين امر ينبغي أن يتم حظره بشكل أكثر وضوحا. الحل الذي أقترحه في عبقرية العلمانية يذهب في هذا الاتجاه. فهي تحترم في نفس الوقت التقاليد ومقتضيات المادة 28 من قانون 1905: نعم للحضانات الثقافية داخل المباني العامة، ولكن خالية من الرموز الدينية.

دور الحضانة العلمانية
يمكن توجيع ابداعنا نحو خلق حضانات تصور قرية بروفنسال دون اليسوع أو الملوك الثلاثة، أو يوسف أو مريم. فهناك العديد من الشخصيات أخرى بين التماثيل. بعضها يحكي عن الحِرف القديمة لهذه المدن: طحان الزرع، حفار أبيار ... هذه الحضانات تتحدث عن ثروات جهاتنا وعن ثقافتنا، وكل ما يجمعنا وليس ما يفرقنا. فقد يكون لهذه الحضانات الثقافية وغير الطائفية، مكان داخل المباني العامة.

كمثل التّنّوب أو شجرة عيد الميلاد، هذا الرمز الوثني الجميل الذي اقتبسه المسيحيون، وتجاوز الحدود الدينية. انّ "شجرة الحياة" كعطلات موسم نهاية السنة هو رمزالانتقال إلى فصل الشتاء. الرغبة في افراغ الفضاء العام من التّنّوب أو سانتون (تمثال اليسوع)، خوفا من الإساءة إلى "ديانات أخرى" قد يكون داخلا في إطار التلاقح التقافي (التثاقف). أماّ عرض المسيح داخل قاعات بلدتنا ينمّ عن خلفية قديمة تُلوح بتفوُّق وطغيان الهُوّية.

فلم يستطع احدا حتى الآن اختيار، داخل إطار هذين التوجهين، مسارا أنسب من مسار فصل الدّين عن السلطة. لأنها تخوّل لنا فرز الزرع السمين للثقافة من غثّ الهيمنة.

كارولين فوريست

الأربعاء، 12 أكتوبر، 2016

عبقرية العلمانية: العلمانية ليست سيفا ولكنها درعا

https://carolinefourest.wordpress.com/

بقدر ما تستحضر العلمانية بقدر ما تتشابك مفاهيمها. لقد اصبحت عبارة عن ساحة معارك. ففي هذا البحث الدقيق، البيداغوجي والحيوي قامت كارولين فوريست بالتمييز بين ثلاثة أنواع من العلمانية في حالة حرب. العلمانية بمفهومها الاصلي المجرد، ثمرة توافق 1905. وعلمانيتان مغريتان تسعيان إلى إعادة التفاوض حول هذا التوافق. ترمز الأولى منهما الى التعددية الثقافية، الأنجلو سكسونية، التي يقال عنها "متفتحة" الى حد المخاطرة بقبول تسويات غير معقولة لصالح "حرية دينية" مهيمنة على المدى، والى حد تسهيل صعود الأصولية والتطرف. والإغراء الآخر، خاضع لأحادية الثقافات، للمعيارية، من مناصري الهوية، منطوي على نفسه، ذو اوجه متقلبة، يتملق للهوية وللتجاوزات القانونية كلما تحدث باسم الهوية المسيحية ويجيز الإقصاء والتمييز كلما تعلق الامر بالإسلام. غير أن العلمانية، وان كانت ممزقة بين الاثنين، تبقى بمفهومها المجرد وبدون نعوت، في حد ذاتها ممزقة ومنجرفة بالسياق الجديد، الذي لم يعد نفس سياق عام 1905، وقد تنتقل من منظور متوازن الى رؤية أكثر استلزاما. تقوم هنا كارولين فوريست بالدفاع عن وجهة نظر متوازنة للعلمانية، دون تقديم تنازلات لأولئك الذين يسعون إلى إضعافها. فهي تضع الأسس للتوافق كما للفاصل فتعيد إحياء فحواهما من جديد. توازن يميز بوضوح بين الفضاء العام والفضاء الخاص، بين مستويات مختلفة من المتطلبات حسب ما إذا كان فضاء للحرية أو فضاء للتقيد، مع الدفاع من اجل الحرص الدائم على اليقظة اتجاه الدعاية التي تعمل جاهدا لاعتبار هذا التوافق نوع من أنواع التعصب. هي علمانية لا منغلقة ولا "منفتحة"، لا إيجابية ولا سلبية، لا عنصرية ولا "معادية للإسلام". ولكن ثمرة طموح وجهود يجب استرسالها، خاصة في المدرسة، هذا إذا كُنا نريد حقا حماية حرية الضمير (بما في ذلك حرية المعتقد)، والتحرر والمساواة والإخاء أو في كلمة واحدة، حماية الجمهورية.

كارولين فوريست

"عبقرية العلمانية: العلمانية ليست سيفا ولكنها درعا"، دار الناشر كراسيه، اكتوبر 2016  




الأحد، 9 أكتوبر، 2016

عندما تذرف أعيُننا الدّمع على حلب


كان على طوفان من النار أن يعُمّ حتى نبكي على حلب. لقد أثارت الصحافة واقعة قصف غرنيكا. وتحدثت الامم المتحدة عن "جرائم حرب" بعد إعادة تصوروهم الهدنة الكاذبة للمرة الألف، فتدفقت الدموع، ووفدت أخيرا صرخات الاستغاثة، فاستيقظ حِسّنا واقشعرّ جلدنا. هل صرنا تحت تأثير البنج أم أصبحنا وحوشا؟ إن تقديم التوضيحات يستهوي دائما. فكُلّما ارتُكبت فظائع في منطقة الشرق الأوسط، تجدون عقولا وسيمة مستعدة لمحاكمة الديمقراطيات الغربية. لقد أصبح عكس المسؤوليات موضة شائعة.

والحقيقة هي أن الأسد وبوتين هم من يتحمّلان مسؤولية الفوضى في سوريا. لم نتوقف من الاحساس بالقلق، ولكننا وجدنا أنفسنا عالقون من كل ناحية. من قبل الطغاة الذين يقتلون شعبهم والإرهابيين الذين يهددوننا، وجزء من الرأي العام الذي يعلّق آمال انقاذنا من التهديد الإرهابي على الطغاة. بيد انهم يقومون بتغذيته.

معزوفة مألوفة

كاتّهام الديمقراطيات الإمبريالية عندما تتحرك لمنع المجازر، كما هو الحال في ليبيا. ثم لعنها عندما تتحفظ على التدخل. علينا أن نتذكر لماذا نحن، الى هذا الحد، عاجزون في سوريا. دعونا نعود إلى بدايات "الربيع السوري". حيث قام معارضين لنظام الأسد بالطلب منا ألاَّ نتدخل، خشية من أن يُنظر إليهم على أنهم عملاء الغرب أو اتهامهم بتلقي الدعم من المثقفين اليهود. لقد أراد برنار هنري ليفي، أن يتدخل. ساعد الجسر الجوي الذي صوت عليه الأمم المتحدة من تفادي مجزرة للشعب ليبيا. غير ان فرنسا ونيكولا ساركوزي ذهبوا بعيدا جدا. فمات الديكتاتور. وعمّت الفوضى في مرحلة ما بعد القذافي، كما يقع في كل المواقف الما بعدية. والتمست روسيا العذر لحماية الأسد من أي "تدخل".


حتى عندما بدأ الدكتاتور السوري يتجاوز كل الخطوط الحمراء، وتركه المجتمع الدولي يفعل ما يشاء، خوفا من وضع اليد في احدى التروس المسننة التي تتخبط فيها العراق أو ليبيا. فالتجاوزات السابقة للتدخلات الغربية، سهّلت الانزلاق في الافراط العكسي: فقام التدخل الروسي بإتمام ما تبقي. فمن دون الدفع بحقه في الفيتو ومن دون قنابله لأضحى عدد الوفيات في سوريا أقل بكثير وكدا عدد اللاجئين على شواطئنا.

المسؤولية لا تنتهي هنا

لم تكن هذه اللعبة الساخرة والقاتلة مُمكنة دون تواطؤ من أولئك الذين تناقلوا دعاية الكرملين إلى الغرب، في أقصى اليسار كما في اليمين المتطرف. فالجبهة الوطنية وحتى بعض اليمينين انهونا من التدخل في سوريا. فبالنسبة إليهم مساعدة المعارضة هو عبارة عن تسليح للإرهابيين الإسلامويين. كان مبالغا فيه في ذلك الوقت. لم يعد الامر كذلك اليوم ... وتحديدا بسبب هذا التراخي. فبسبب قلّة الدعم من الغرب، تراجعت قوات المتمردين الديمقراطيين لصالح المتمردين الجهاديين المسلحين من قبل الأتراك والمملكة العربية السعودية وقطر.

لقد أراد الأسد نفسه تناقل هذه العدوى ليصبح في مأمن من الأذى وبالتالي الحصول على "تفويض مطلق". كما قام بإطلاق صراح الكوادر الاسلاموية من سجونه لتسهيل القضاء بهذه الطريقة على أي بديل بينه وبين الجهاديين. وقد ساعد بوتين على تعفّن المفاوضات السياسية، من جهة، وتحديد أولوياته في قصف الجماعات المتمردة الديمقراطية من جهة أخرى. ما هو الهدف من ذلك؟ فهو واضح وساخر: شلّ المجتمع الدولي ووضعنا أمام الخيار المستحيل. الطاعون أم الكوليرا. الاستبداد أم الإرهاب. جرائم الحرب أو الهجمات الإرهابية. الرعب أم الرعب. هذا ما نحن عليه.

في غياب العزم الأمريكي، اتخذت الدبلوماسية الفرنسية الخط الوحيد الجائز: الدفع بطلب حل سياسي بدون الأسد وضرب الدولة الإسلاموية. دعم جزّار دمشق من شأنه القاء العار علينا، وفي نفس الوقت يُغذي دعاية أعدائنا. أما ضرب النظام السوري فسوف يُحَمِّلنا مسؤولية التروس المُسَنّنة.

فليس على الديمقراطيين الذين رفضوا هذه الحلقة المفرغة الجهنمية، الإحساس بالعار اليوم. بل هو الحال بالنسبة لأولئك الذين طلبوا منّا أن نختار بين الأسد وداعش. لأن أنانيّتهم وقصر نظرهم هما المسؤولتان عن الفوضى العارمة حاليا. فعدم وجود حل سياسي في سوريا، أطلق العنان للجهاديين. وبعدها قام السكان بالهروب إلى شواطئنا تحت وطأة الإرهاب والقصف... وهكذا تسنّى لليمين المتطرف المؤيد لروسيا... تأجيج الخوف من اللاجئين! فبالتأكيد، يعرف هؤلاء الأوغاد كيفيّة الانتصار على جميع الجبهات. 

كارولين فوريست

90  ماريان عدد من 07 الى 13 أكتوبر عام 2016


الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

أنَحْوَ خلافة تركية؟



في الحرب التي يشنّها علينا داعش، نجد ما يسميه المخرجون السينمائيون  "الحليف الخطأ" : رجب طيب اردوغان هو ذاك الحليف. فسياسته المستمرّة في ازدواجيتها كما انحرافه باتجاه الدكتاتورية  وتهديده المتواصل للألوية العسكرية الكرديّة  تصب  بمجملها في مصلحة المنظمة الإرهابية داعش.

في بداية النزاع السوري، قامت  تركيا و قطر والعربية السعوديّة بالمدّ  بالسلاح  المعارضة الإسلامويّة وميّزتها عن المعارضة الديمقراطيّة لا بل عزّزت سيطرتها....فلو قام اردوغان باغلاق حدوده  مع سوريا  المحتلّة لكان من المستحيل على داعش  الإثراء  من خلال تجارة تهريب البترول ، أو استيراد هذا العدد الهائل من المقاتلين الغرباء أو تصدير الإرهاب الى الغرب. فهل تم كل ذلك لشدّة انشغال مخابرات الشرطة التركية؟ وهي ذاتها المعروفة بقدرتها على قمع الديمقراطيّة في تركيا.

ربما كان إنقلاب 15 يوليوز  الفاشل  في تركيا إنقلابا حقيقيا غير أنه  كان غير مدروس ومن صنع هوات. أما الرّد على هذا الإنقلاب  فكان مخطّطا له. في نهاية يوليوز عُزل أو أوقف 50 ألفا من عسكريين وقضاة واساتذة وعمداء جامعات . ومنذ ذلك التاريخ والأعداد ترتفع حتى أن كافة صحف المعارضة قد أوقفت عن الصدور. مشهدٌ  غير مسبوق في القرن الواحد والعشرين. كانت عمليات  التطهير  هائلة وبلا حدود ، لقد ضَرَبتْ جميع معارضي النظام من علمانيين و"غولينيّين". إثر الإنقلاب، وجّه أردوغان أصابع الاتّهام بالمؤامرة فورا الى "غولين"، هذا الإسلامويّ المحنّك الذي لجأ الى الولايات المتّحدة وأصبح على رأس امبراطورية مالية واسعة. كان الرجلان ومنذ أمد ليس ببعيد يتآمران معا لتفكيك العلمانية. وقد نجحا في ذلك، غير أن أردوغان، وفور تسلّمه الحكم عمل على تأميم شبكة المدارس الدينيّة التابعة "لغولين" ليحوّلها الى مدارس عامّة (مما يسمح، كمثال على سبيل الحصر، ارتداء الحجاب منذ الصّغر). لم يرُق الأمر  لرجل الأعمال  كما أنه لم يرقْ لصحفه وللقضاة المحسوبين عليه . وقد رأى أردوغان يد غولين في سسلسلة القضايا الإعلامية والقضائية التي تعرّض لها والتي كشفت للرأي العام عن تورطه الواسع في عمليات الفساد. هذه هي الحرب الحقيقية التي تدور وقائعها دون رحمة بين الاسلامويين الأتراك: فهي حرب تجارية وليس حرب عقائدية. 

وفي المقابل،  دفعت الأسباب الإيديولوجيّة أردوغان الى إخضاع المجتمع الديمقراطي العلماني برمّته. وقد تم ذلك عبر القمع الوحشي لإنتفاضات  "ميدان التقسيم " الديمقراطية وسحق الكماليين في الجيش من خلال "ملف إرجينيكون " وهو ملف لمؤامرة عسكرية ضخّمها أردوغان  لا بل فبركها.

إن الذين يحاولون طمأنتنا
بالحديث عن  "الاسلاموية المعتدلة" في وصف  "حزب العدالة والتنمية" قد أخطئوا كثيرا. فرجال السياسة الذين يؤمنون بالسموات على حساب الحق والقانون هم الذين يضربون القانون. لقد أعيد إنتخاب أردوغان مجدّدا في أجواء مريبة، ولم يكن باستطاعته الإدعاء بالديمقراطية مطلقا، إذ راكم كل عيوب يقترفها "متسلّط حديث":  لقد أخفى الإخوانيّات الإسلاموية التي كوّنته، وأخفى حلمه بإعادة التوهج الإمبريالي للخلافة العثمانية واستعمل الأساليب السلطوية إياها التي اعتمدها أتاتورك بما في ذلك الفساد. هذه هي صورة الرجل التي تعتمد عليه حربُنا ضد التّطرف! أما الأميركيون فكالعادة لم يدركوا ذلك الا مؤخرا ... غير أنّهم لم يتخلَّوا عنه.

على أرضية الواقع، انكشفت لعبة الأتراك المزدوجة إذ أرسل أردوغان دبّاباته لتطلق النار على الألوية الكرديّة في "رو
جافا" وذلك بالإرتكاز على ميليشيات من أقصى اليمين التركي كمثل الذئاب الرماديّة.

كل الأساليب التي تمنع الأكراد من الإنتصار على داعش جيّدة بالنسبة الى الأتراك . وكل الأساليب جيّدة للقضاء على حلم الأكراد بدولة كردستان القريبة جدا من حدود تركيا. فكم هو غريب مثلا ان تنسحب قوى الدولة الإسلامويّة من بعض المدن  مسهّلة الصدام بين طرفي  التحالف الدولي التي  سُخِّرت للقضاء على داعش.


لحزب العمال الكردستاني عيوب كبيرة وأخصّها العمليات الإنتحارية التي يقوم بها دفاعا عن قضيّته. غير أن "أوكلان" ومن سجنه دعى الى الهدنة.

إن النساء المقاتلات الكرديات في صفوف "أوكلان" كما الألوية  الأخرى المختلفة الثقافات  مقاتلات شرسات "
كالنساء الكرديات المقاتلات YPJ"  او "وحدات حماية الأكراد YPG"  هؤلاء هم الحلفاء الأجدر ضد "الإسلامويين"  وكان على أردوغان حمايتهم، إذ لا يمكن أن يتحوّل موقعه في التحالف الى موقع مطلق الحريّة في سحق  معارضيه  وذبح  الأكراد وشق المقاومة وربما دعم مشروع إقامة خلافة تركية بديلة ... خلافة  تبدو أكثر تأثيرا واستمرارية في الزمان والمكان من  "خلافة"  داعش.

كارولين فوريست  في مجلة ماريان

الأربعاء، 31 أغسطس، 2016

كذّابة، أقُلتم كذّابة؟




قامت محكمة الاستئناف في باريس بإقرار ما صرَّحت به في برنامج "لم ننم بعد" (أوني با كوشي) في مايو عام 2015. لقد أكدت التقادم الفعلي للشكوى (التي قُدمت ضدي) منذ يناير 2015، وذلك قبل عدة أشهر من تسجيل هذه البرنامج، والتي كانت سبب لوم إيميريك كارون. فقد حُكمت الدعوى التي رفعتها السيدة ربيعة بنتوت لصالحي، كما حكم على المدعية بالدفع لي 4000  اورو ثمن الصوائر المسطرية.

على هذا،
حيث أن الاستئناف تم تقديمه من طرف المدعى عليها ضد الحكم الصادر، بتاريخ 29 أكتوبر2014 . وحيث أن المقال الاستئنافي يعيب على المدّعية أنها لم تُوكل محامي الا بتاريخ 27 مارس 2015، والذي لم يقدم مذكرته الاستئنافية الاّ بتاريخ 30 مارس 2015.
وحيث ان الاجراءات المسطرية التي أَقدمت ربيعة بنتوت باتباعها تجاوزت الثلاثة أشهر المسموح بها كما جاء في الفصل 65 من القانون الصادر في 29 يوليو 1881. وتُذكر المحكمة أنه على المدعي الأصلي في قضية التجريح التعبير عن رغبته في استئناف الدعوى، الاجراء الوحيد الكفيل بانقطاع التقادم. ومما ليس عليه الحال هنا. وبالتالي تُقر المحكمة بتقادم دعوى ربيعة بنتوت وتصديا برفض طلبها.
من باب الانصاف تأمر المستئنف بها بدفع مبلغ  4000 أورو بموجب مقتضيات المادة 700 من قانون المسطرة المدنية، ثمن كافة الاجراءات المسطرية.
لهذه الاسباب
المحكمة
وبعد الاستماع إلى الأطراف، بايداع مذكراتهم لدى كتابة الضبط
تُقر تقادم دعوى ربيعة بنتوت،
وتقرر الحكم بالتعويض لصالح كارولين فوريست بمبلغ  4000 أورو بموجب مقتضيات المادة 700 من قانون المسطرة المدنية،
وبالتالي تحمل جميع الصوائروالرسوم القضائية.


وكانت هذه الدعوى تقصد إحدى مقالاتي التي اذيعت في محطة فرنسا الثقافة لسنة 2013، حيث قمت بلاستنكار للهجومات التي تعرضت اليها النساء المحجبة واعتبرتُها "بغيضة وعنصرية واضحة." غير ان المقال يدعو الى عدم الخلط بين حالتين ِما يقتضيه الظرف من توخي الحذر. بدءا بالبيانات المتذبذبة والمتناقضة المقدّمة من قبل المدعيتين. فالواحدة تدعي  تعرضها للهجوم من قبل رجلين  ثم  من قبل حالقي الرؤوس، وهو أمر نادر. وأشارت الصحف أنه لم يتم العثور على آثار الضربات ولا على صور للعدوان، أخدت من قبل كاميرات المراقبة. ثلاثة من مصادري في عين المكان ومقربين من التحقيق، أعربوا عن شكوكهم ... كما أن محامي اثنين من النساء المحجبات، الأستاذ حسني المعاطي، نفسه، صرح للصحافة أنه لم يستطع التحدث إلى احدى زبوناته، بل تحدث الى زوجها فقط.
وعلى أساس هذه التناقضات قمت بالحث على توخي الحذر، كما قام به البعض وزملاءي آخرين [1]. والغريب في الامر، أنني كنت الوحيدة التي قام الاستاذ حسني المعاطي بمتابعتها ... وهو أيضا محامي الغيرمجزئين "ليزاندبفيزيبل" (الشهير بجوائز يا بون")، للتجمع ضد الإسلاموفوبيا، والذي يحضى باعتراف كبير لقدراته  التدليسية. كحكاية فتاة  قامت بالاعتدت على امرأة بسبب ارتدائها لتنورة (...).




لذلك فهذه هي الدعوى الشهير، المضحكة والتي تهدف إلى جعلي ادفع ثمن مواقفي حول العلمانية، التي لوَّح بها إيميريك كارون – والذي أصبح مؤلفا لكتب شيِّقة ومثيرة حول ديدان الأرض - باعتبارها عار يستجوب بسببه سحب بطاقتي الصحافية مني . في ذلك الوقت (أي وقت مقابلتي في البرنامج)، كنت متعبة من الخضوع ل"محاكم التفتيش" وكنت اود التحدث عن مواضيع اكثر خطورة مثل الهجوم الذي تعرض اليه أصدقائي في تشارلي ، فقد قمت بترديد ما قاله لي بالحرف المحامي الذي وكَّلتُه في هذه القضية الاستاذ ريتشارد مالكا. قلت بان الطرف الاخر لم يقم بابطال التقادم ، حيث تقادم الاستئناف وبالتالي ربحت القضية.

كما أن محكمة الاستئناف كانت باستطاعتها اقرار ذلك أسابيع فقط بعد ايذاع البرنامج "لم ننم بعد" .... إذا لم يقم الاستاذ حسني المعاطي بتمديد آجال الموعد النهائي (عن طريق طلبات إجراءات ثانوية، وعدم الحضور في موعد الجلسة ...) فقد تم تأجيل لعدة اشهرالاقرارالفعلي بالتقادم الذي تزامن وايذاع البرنامج.

في حين أن وقتها، وبكل هدوء قامو بتشويه سمعتي على الشبكات التواصلية ومع زملائي الى حد إقناع لوران روكيي أنني كذبت، الى حد منعي ولوج برنامج في خذمة الصالح العامة بحجة  أنني كذبت. ومنذ ذلك الحين، فليس هناك لا منتدى، ولا ورقة، ولا موقف، وإن كان صحيح ومبرر وموزون، الاّ ويتم نعتي بال"كذّابة".

هذا المقطع الذي يتكررباستمرار له قصّة. فقد بدأ في عام 2004 عندما قام طارق رمضان باتهامي بالكذب حين أقدمت على فضح أكاذيبه بالدلائل والحجج! محاكمة استرسلها صديقه باسكال بونيفاس، الذي أُدين بالتزوير، ثم مارين لوبان .... التي استشهدت بباسكال بونيفاس، رفيق درب الإسلامويين، في محاولة بائسة لتشويه سمعة الكتاب الذي خصصته لها.

هكذا العالم عندما نقوم بواجب الابلاغ عن أصحاب الدعاية. إذا تبيّنتم كذبهم، مثل ساحة المدرسة، يتهمونكم أنتم بالكذب. اذا كانت هذه اللعبة تُمتع الاصوليين والمتطرفين فهذا أمر يمكن استيعابه. لكن ان يقوم برنامج في خدمة الصالح العام بفسح المجال الى ذلك فهو أمر آخر.

والآن بعد أن تم التوصل الى الحقيقة، فأنا لا أشك لحظة أن  لوران روكييه وفريقه سوف يحرصون على تصحيح هذا الامر مع  جمهور البرنامج. أما من جانبي، فأحتفظ بالحق في متابعة المواقع والصحف التي تستمر في تشويه سمعتي و تجريحي دون التثبت من الحقائق.


كارولين فوريست، 31 أغسطس 2016.







الثلاثاء، 16 أغسطس، 2016

حول البوركيني والسخافة


تسببت القرارات الصادرة عن عمودية  مدينة كان وغيرها من العموديات الواقعة في الجنوب والتابعة لحزب اليمين، بهذف حظر البوركيني بعد احداث نيس الارهابية، في نزع الابتسامة ما وراء بحار المانش والمحيط الأطلسي. ونفس الشيء في فرنسا، فالكثيرين يرون انه جدل مثير للسخرية، ودليل على التركيز الزائغ على الإسلام. فصحيح أن المنهجية المتبعة تبعث التساؤلات خصوصا عن تلك المنبثقة عن رؤساء البلديات  الذين فجأة أصبحوا يهتمون بحقوق المرأة ورعاية ظروف اصطيافها على الشاطئ، ولكن لم يتأخروا في دعم ،بقية السنة، الحركات الأصولية التي سحبت أطفالها من المدارس بسبب برامج تحسيسية حول الصور النمطية التي تستهذف الجنسين...

فالشاطئ ليس هو المدرسة. السبَّاحات، ليست طالبات أو قاصرات. كونك تفرض عدم تغطية الرأس في مكان مدني، مخصص للتربية على المواطنة والمساواة، هذا أمرمقبول. أما أن تفرض على شخص أن يقلع حجابه في مكان نزهة واصطياف أمر مبالغ فيه، ما عدا بالطبع إذا كان الامر يتعلق بشاطئ خاص يخضع لنظام خاص به.

فتبرير الحظرمعقول في حمامات السباحة حيث من المتوقع احترام الزي المحدد للجميع، في إطار الحشمة أو النظافة. فالرجال، على سبيل المثال، ليس لهم الحق في السباحة بسراويل طويلة. كما ان المرأة لا تملك الحق في الاستحمام عارية الصدر. فلماذا الذين يتذرعون بالدين ينفردون بالقدرة على الحصول على تسهيلات؟

ومع ذلك، فإن حظر البوركيني على الشاطئ، في حين أن آخرون يستحمون بملابسهم، ليس أمر منطقي ولا فعال للغاية. أما بالنسبة للحجاب في الجامعات، وأولئك الذين يؤمنون أن تراجع الاسلوب الأصولي يتم عن طريق حظره في كل مكان هم  خاطئون. وسوف يحصلون على تأثير معاكس عمّا هو مقصود:أي تسهيل دعاية احتكار دَور الضحية، وبالتالي نشر موضا البوركيني عند الشابات أو الفئة الهشة والأكثر تأثرا.

ومن جهة أخرى وفي جميع الحالات، كنا "مع" أو "ضد" الحظر، فليس هناك ما يبرر الاسراف (المبالغ فيه) في تسهيل هذه الدعاية - بتضامننا مع هذه العلامات الرجعية والتي لا تدافع عن المساواة بين الجنسين، كما لو أنها أشياء مقدسة أوركن من أركان الإسلام. فلقد كسَّر ادوي بلينيل كل المقاييس عندما نشر على ميديا ​​بارت مقالا على البوركيني بعنوان "ملابس مثل الآخرين"، وقام باصدار تغريدة بصورة من السباحين في زي السباحين الصغار والتي يعود تاريخها إلى الفترة المسماة ب "الحقبة الجميلة"، مرَّ عليها أكثر من قرن، مرفوقة بتعليق مفاده: "السّباحة في البحر بلباسكم في فرنسا (بدون مسلمات) حرية الجسم =حرية اللباس" وهذا يعني أنه ضرب عرض الحائط  قرن من التحرير، وعلى مايو 68 وبما في ذلك الحركة من أجل تحرير المرأة ... لأنه، وللتذكير، فلقد وقع حدث "صغير" منذ بداية القرن العشرين: ألا وهو بالضبط تحرير المرأة والجسم. فدعم تغطية جسد المرأة كما لو كانت "حرية" وليس الرجوع الى الوراء يبرهن عن عقلية رجعية عميقة، لا يمكن لتقدُّمِي الحفاظ عليها دون خيانة الفكر الذكوري العميق والمستشرق.

فأي شخص تنتابه شيء من النزعة النسوية او حتى ببساطة قلق من التطرف، من شأنه أن يشعر بالانزعاج لفكرة السباحة بجوار امرأة أو مجموعة من النساء يرتدين البوركيني. فارتداء هذا اللباس الأصولي على الشاطئ هي رسالة الى الاخريات أنهن ليست عفيفات أو أن شبه عريهن يستحوذ على أفكارك. وهذا الامر متعب. فعندما نذهب إلى البحر، نامل في الاسترخاء، وليس في مواجهة مشاكل نفسية أو معتقدات إيديولوجية للآخريين. اذا كان شخص ما غير مستريح حتى مع جسده، ويؤمن بالحشمة، فبإمكانه ببساطة تجنب السباحة في الأماكن العامة واختيار أماكن أكثر احتشاما ... كمسبح خاص او حتى حوض للاستحمام.

ونفس الشيء بالنسبة لنا، اذا استمرت تلك السبَّاحات في مواقفهن المفكَّكة ، ودون منعهن من ولوج الشاطئ، فلنا الحق في الذهاب للسباحة في أماكن أخرى أو حتى إرسال رسالة بدورنا مضادة لفكرة تغطية الجسد، باعتمادنا أسلوب العراء.

كارولين فوريست


سيصدرقريبا: "عبقرية العلمانية" عن دار النشر غراسيه. (01 أكتوبر) 




الاثنين، 13 يونيو، 2016

علينا مراقبة المدارس لحماية الجمهورية



علينا مراقبة المدارس لحماية الجمهورية

أمر لا نعرفه كثيرا، ولكن المدرسة ليست إلزامية في هذا البلد. التعليم فقط إلزامي. فقانون فيري بتاريخ 28 مارس 1882 يفرض التعليم الابتدائي على جميع الأطفال،
فتيان وفتيات، ولكن الآباء يحتفضون بحق اختيار المدارس، أوحتى عدم تمدرس الطفل حيث يختار تعليمه في المنزل. وهذا لا يخص بالذِّكر إلا القليل من الاطفال.
في عام 2013، كان هناك 948 مؤسسة خارج التعاقد، تستقبل حوالي 000 60 تلميذا. نصف عدد الاطفال الخاضعين للتعليم المنزلي. لكن هذه الأرقام وهذه الخيارات في تزايد، لأسباب جيدة وأخرى سيئة. هناك آباء وأمهات الذين يُخرجون أطفالهم من المدرسة قصد التجول حول العالم، وأولئك الذين لا يرغبون في اختلاط ابنائهم أوتعرضهم لتاثيرات الكافرين. وهناك من يختار المدارس ذات العقود الخارجية لوضع أطفالهم في مؤسسات مُبتكرة في طرق التدريس، مثل المدارس مونتيسوري، وهناك من يضعونهم في مؤسسات طائفية ... ومن الواضح أن هذه الأخير، وليست الأولى، من تقلق السلطات العمومية.
من المدهش معرفة كيف أنّه من السهل فتح مدرسة في فرنسا. وهي أكثر صعوبة من فتح حانة والحصول على الرخص الأربعة. لا تحتاج إلى إذن، تكتفي بإعلان بسيط. سواء كنت معلم روحي (غورو)، أو مستغل جنسي للأطفال أو أحمق للغاية، يمكنك الارتجال كمدير مدرسة. وهذا ما سوف يتغير مع التدابير التي أُعلن عنها من قبل وزيرة التربية والتعليم يوم 9 يونيو.
تدابير المصلحة العامة
دون أي مساس بحرية التعليم، فالمؤسسات الغير الخاضعة للعقد ينتقلان الآن من نظام التصريح إلى نظام الترخيص. على السلطات القيام ببعض المراقبات في غضون أربعة أشهر قبل افتتاح المدرسة. بالنسبة للتعليم المنزلي، فقد قررت الوزارة زيادة عدد من الضوابط للتقييم الأفضل لتطورالعملية التعليمية. قد تبدوهذه الاجراءات هزيلة  ولكن الأمر يحتاج إلى بعض الشجاعة عندما نعلم مدى حساسية الموضوع والتي قد تصل الى حد الجنون وتسيطر على الارواح عندما نمس المدرسة، وخاصة المدرسة الخاصة ...
لقد استنكرت الجمعيات الكاثوليكية الهجوم على ما سمّته "الحرية الأكاديمية". فقد أطلق الحزب الديمقراطي المسيحي لكريستين بوتان عريضة تندد ب"انقلاب الدولة على المدارس الحرة".
وهو تقليد قديم في هذا البلد. فاليمين الديني لم يتقبل قط، أن تتدخل الجمهورية في المدرسة. ويمكن أن تتذرع بحماية الأطفال عند قيامها بحملة ضد الزواج للجميع، ولكن ترفض التحكم الأفضل للمدارس الخاصة عندما يتعلق الأمر حقّا بحمايتهم، والحالة هذه، من مستوى تعليمي رديئ ومن دعاية الأصوليين والطائفيين. فما يقلقها حقا، هو خطاب المساواة، كما أ. ب. ج. د. للمساواة.
من ناحية، فإنها تحارب إنحلال المجتمع. ومن ناحية أخرى فهي تُحذر من التجمعات عندما تصبح اللغة العربية لغة حديثة تُعرض في المدرسة. في حين أن الهذف من هذا الامر هو العكس ذلك تماما ... في كسر بلقنة إبلكو"تعليم اللغة وثقافة الأصل" لتقديم العربية، ولكن أيضا الصينية كخيارات من بين الخيارات. مع العلم أن هذا التعليم سيساهم في تشجيع الاسر لعدم وضع أطفالهم في جمعيات مشكوك في أمرها تُلقّنهم اللغة العربية . فالجدل غير ذي صلة. وبالطبع، نود أن نعتقد أن كون الوزيرة تدعا بلقاسم، فهذا الامر لا يساهم في تسميم هذا المناخ.
هذا السياق يجعل التدابير المتعلقة بالمدارس الخاصة، بلا شك، مخاطرة سياسية. بَيْد ان هذه التدابير في الواقع خجولة جدا وموزونة. بالتأكيد، فهي اشارة كان ينتظرها الجمهوريين الائيكيين منذ مدة، ولكن ينبغي أن نعمل أكثر لاستعداد مهمة المدرسة والتصور الذي وُضع لها في ظل الجمهورية الثالثة. عندما كان يحارب اليسار ضد نفوذ الأسقفيات المضاضة للجمهوري.
"لمدرسة عمومية، الأموال عمومية. ولمدرسة خاصة أموال خاصة"
كحد أدنى، يجب على الدولة أن تعيد النظر في عقود الجمعيات والإعانات التي تستفيد منها والتي تمنح لمدارس الاصوليين الخاصة مثل المؤسسات التي تديرها أوبوس داي أو الاتحاد الفرنسي للمنظمات الاسلامبة UOIF .
بشكل مثالي، يجب إلغاء قانون دوبريه من عام 1959. ووقف صب سنويا كل مليارات الدعم للمدارس الخاصة، ومعظمهم الدينية. وعدم لمس حرية التعليم، ولكن العمل على تركيز الموارد على المدارس العمومية. والشروع في التخفيف من اكتظاظ التلاميذ في الصف الواحد في الأحياء الفقيرة، واستدراك التفاوت الاجتماعي، وجعل المدرسة العلمانية أكثر جاذبية. فالنُطمأن فورا شبكات المدارس الخاصة، وهذا ما لن يحدث قريبا. فالحزب الاشتراكي لا يزال يعاني من آثار أحداث 1984 للمدرسة خاصة. حتى أنه نسي أنه بعد مرور عشر سنوات، مليون علماني كان يسير وراء اللجنة الوطنية للعمل العلماني وشعارها التاريخي: "للمدرسة عمومية، الأموال عمومية. وللمدرسة خاصة أموال خاصة".
فهذا هو التصور، تصوُّر آباء المدرسة العلمانية الذي يجب استرجاعه حتى يتسنى لنا حلّ وتفكيك جذور التعصب الأيديولوجي.
كارولين فوريست
https://carolinefourest.wordpress.com/2016/06/13/controler-nos-ecoles-pour-proteger-la-republique/